محمد سعيد رمضان البوطي
59
فقه السيرة ( البوطي )
من أجل هذا يهتم محترفو التشكيك بالإسلام ، بمعالجة موضوع الوحي في حياته صلى اللّه عليه وسلم ، ويبذلون جهدا فكريا شاقا في تكلف وتمحل ، من أجل التلبيس في حقيقته والخلط بينه وبين الإلهام ، وحديث النفس ، بل وحتى الصرع أيضا ، وذلك لعلمهم بأن موضوع « الوحي » هو منبع يقين المسلمين وإيمانهم بما جاء به محمد صلى اللّه عليه وسلم من عند اللّه ، فلئن أتيح تشكيكهم بحقيقته ، أمكن تكفيرهم بكل ما قد يتفرع عنه من عقائد وأحكام ، وأمكنهم أن يمهدوا لفكرة أن كل ما دعا إليه محمد صلى اللّه عليه وسلم من المبادئ والأحكام التشريعية ليس إلا من تفكيره الذاتي . من أجل تحقيق هذه الغاية ، أخذ محترفو الغزو الفكري ، يحاولون تأويل ظاهرة الوحي وتحريفها عما يرويه لنا المؤرخون وتحدث به صحاح السنة الشريفة ، وإبعادها عن حقيقتها الظاهرة وراح كل منهم يسلك إلى ذلك ما يروق لخياله من فنون التصورات المتكلفة الغريبة . فمن متصور بأن محمدا عليه الصلاة والسلام لم يزل يفكر . . إلى أن تكونت في نفسه بطريقة الكشف التدريجي المستمر عقيدة كان يراها الكفيلة بالقضاء على الوثنية ، ومن مفضل على ذلك إشاعة القول بأنه صلى اللّه عليه وسلم إنما تعلم القرآن ومبادئ الإسلام من بحيرا الراهب ، ومن قائل بأن الأمر ليس هذا ولا ذاك ولكن محمدا صلى اللّه عليه وسلم كان رجلا عصبيا أو مصابا بداء الصرع « 1 » . ونحن حينما ننظر إلى مثل هذه التمحلات العجيبة التي لا يرى العاقل مسوغا لها إلا التهرب من الإقرار بنبوته عليه الصلاة والسلام ، ندرك في جلاء ووضوح الحكمة الإلهية الباهرة من بدء نزول الوحي عليه صلى اللّه عليه وسلم بهذه الطريقة التي استعرضناها الآن ، في حديث الإمام البخاري . لماذا رأى رسول اللّه جبريل بعيني رأسه لأول مرة ، وقد كان بالإمكان أن يكون الوحي من وراء حجاب ؟ لماذا قذف اللّه في قلبه عليه الصلاة والسلام الرعب منه والحيرة في فهم حقيقته ، وقد كان ظاهر محبة اللّه لرسوله وحفظه له يقتضي أن يلقي السكينة في قلبه ويربط على فؤاده فلا يخاف ولا يرتعد ؟ لماذا خشي على نفسه أن يكون هذا الذي تمثل له في الغار أتيا من الجن ، ولم يرجح على ذلك أن يكون ملكا أمينا من عند اللّه ؟
--> ( 1 ) راجع حاضر العالم الإسلامي : 1 / 38 و 39 .